في دروب الحياة، تتكشّف المعادن كما تتكشّف الرمال عن صلابتها تحت أثر الخطى،
تسقط الأيام أثقالها على الناس، فتظهر من ينهض رغم الجراح، ومن ينهار رغم أن الحمل خفيف،
وتفصل المواقف بين الكرامة والذل، وبين الوفاء والخذلان، وبين الصبر المجرد والصبر الحقيقي الذي يصنعه الإدراك لا الاضطرار.
وعلى هذا السبيل، كانت هناك فترة من حياتي ازدحمت فيها الأسئلة داخلي، فقد مررت بأحداث متتابعة جعلتني أراقب من حولي بصورة أدق وأعمق، وبدأت أرى المواقف وهي تكشف طبائع الناس كما هي دون تزيينٍ أو ضجيج.
في تلك الأيام تعلمت أن بعض القلوب تقف بثبات عندما يتراجع غيرها، وأن الشجاعة لا تنفصل عن صاحبها حتى عند العثرة، وأن الكرم لا يغيب عن صاحبه حتى عندما يتقاسم لقمة يومه، وأن الوفاء قيمة تعيش مع أصحابها مهما ابتعدوا عن الأضواء، وأن بعض السجايا تظل راسخة مهما كثرت الظروف المحيطة بها.
كنت أعود كل ليلةٍ إلى هدوئي لأجمع ما فهمته خلال النهار، وأعيد ترتيب الأحداث في داخلي لأقيس أثرها على نظرتي للحياة.
ومع مرور الوقت اكتشفت قيمة الصبر، رأيته قدرة على المضيّ نحو النور باطمئنان أكبر واستيعاب أعمق لكل ما يحدث.
ومن تلك المرحلة خرجت هذه الأبيات، لا تعبر عن شخص بعينه، وإنما تعبر عن خلاصة تجربة تشكلت من مواقف صنعت فهماً جديداً لمعنى الثبات ومعدن الإنسان.
وإليك صدق المشاعر وخلاصة التجربة على شكل نغم:
الشجاع إن طاح ما ينسى الدفاع
والذليل يطيح ما يلقى سبيل
والكريم يظل مرفوع الذراع
لو رماه الوقت في دربٍ طويل
والوفي ما يرتجي رد البضاع
إن عطى يعطي ولا يطلب بديل
والردي لو عاش في عزٍّ مُذاع
ما تخلى عن طبوعه مستحيل
والصبر ما هو عن الضيم امتناع
الصبر دربٍ ما يغيره القليل
وقبل أن أستأذنك يا صديقي، تذكر أن التجارب تبقى دليلاً يعين على معرفة الطريق، فالناس تعرف بمواقفها لا بوعودها، والقيم تثبت عند الضيق أكثر مما تثبت في سعة الأيام، ومن يفهم هذا يختصر على نفسه الكثير، ويعبر الحياة ببصيرةٍ أوضح وقلبٍ أقوى.
