بعد أن حلفت بربي، أعلنت حربي، من هول كربي، وحين سمع طربي، سلك نفس دربي، وأراد قربي، فظننته يهمّ بضربي، وبعد هربي، سمعته يلعن تلك القافية!
دائماً ما يتقّيد الشاعر بقافية ووزن ثابتين في قصيدته، وحين عدم التزامه بذلك في إحدى أبيات القصيدة يعتبر ذلك البيت (مكسوراً) وهذا يُعيب القصيدة جداً، كما أن القافية بحد ذاتها تُقيّد وزن القصيدة، وبالرغم من انتقاد القافية من قبل كثيرٍ من الشعار عبر التاريخ، باعتبارها تحدّ من أفكارهم الشعرية، وتقيد مفرداتهم اللغوية، فيصبح المخرج في نهاية المطاف ليس كـ الفكرة الأساسية، إلا أنهم كانوا يلتزمون بها التزاماً كاملاً، فأصبحت لا أدري هل هو انتقادٌ لمجرّد الانتقاد أم ماذا، مع العلم أن هناك ما يُعرف بالشعر الحر، وهو مختلف عن الشعر العمودي في عدة أمور أهمها التقيّد بالقافية، ولكني قررت حينها أن أكتب قصيدة لا ألتزم بقافيتها التزاماً كاملاً، ولا أكتبها كقصيدة حرة، لتخطر ببالي فكرة جديدة..
فكرت من منطلق هذا السؤال: ما فائدة القافية؟، فوجدت بأن دورها يكمن في الحفاظ على نغمة ولحن القصيدة، وبعد تعمّقي في التفكير أكثر، سألت نفسي سؤالاً وجيهاً، ماذا لو التزمت بقافية شطرٍ واحد من القصيدة دون أن ألتزم بها في شطرها الثاني، مع الحفاظ على نفس الوزن واللحن؟
فكتبت..
شاب راسي وأنا أحسب العمر توّه شباب
ومن لا يلحق العمر ترى ما هو بداري
البارحة سكّرت باب، وانفتح لي ألف باب
واليوم أسكّر البيبان بابٍ ورا بابي
أدري إنك تحسب عقب كلامي حساب
وتحسب إني في سنين السبعين ماشي
أحدبٍ ظهري وغدى رمش العين واب
ضعيفٍ بليا برد تِراعد عظامي
لكن على ما قيل العمر توّه شباب
واليوم ستة وعشرين مع كل احترامي
أحسب حساب الثقيلة وأحسب للهَباب
وإن مالت الدنيا ثابتٍ في مكاني
شيب عيني يوم صوّبت قلبي صُواب
بنت شيخٍ أخلفت بي كل المعاني
رمشها وعيونها السود مثل الخباب
حدَب عين صقرٍ ناش فوق الترابي
إن غدت قام ساعي الحب ودّى وجاب
وإن تمايلت تعالموا في كل وادي
طويل خصال السواد معجبني عِجاب
أسود سواد ليلٍ به نور القمـر شـاعي
ثغرها من سنا نوره أبيضّ الغراب
وليا حكت، حكيها يسكت كل حاكي
إبليس نفسه سلّم أمره وقال: تاب
واكتفى بها فتنة تعصف كل غادي
أقفيت معتزل دنياي وأبرقى السحاب
واقبلت قَرمٍ يلج الصوت وينادي
أنا بن خالد راعي المجد، ماخاب
طوايل فعايله الجمت كل غاوي
يالله إلهي منهو في رجاك ما خاب
تيسّر لي سنينٍ من العمر باقي
وتغفر لي ذنوبي ويالله زدني ثواب
ومدّ لي يا رب في رزقي ومالي
وهب لي عمرٍ فوق عمري جراب
وعافني يا رب في ديني وفالي
لنكن واقعيّين…
عندما تنسّق إيقاع إلقائك بطريقة معينة يختفي اختلاف القافية في الشطر الثاني من كل بيت ولا يكاد يُلاحظ..
بمعنى: عندما تربط الشطر الثاني من البيت بالشطر الأول من البيت الذي يليه في إلقائك، بحيث يكون نهاية الشطر الأول سكوت خفيف تكون بذلك نقطة فاصلة بين الأبيات، فإن لحن القصيدة يصبح متناغماً.
