في يوم من الأيام، خرجت من منزلي دون أن أودّع عائلتي، وذلك لأنني سأعود تارة أخرى إليهم كما يحدث في العادة، ولكن في ذلك المساء المشؤوم في ظاهره، حدث مالم يكن بالحسبان، كنت في المكان والوقت الخطأ فقط، فشاء الله بتقديره أن تكون تلك السُّوَيْعات التي سأقضيها خارج أسوار البيت عدةً من الأشهر الطولية، فغبت عن منزلي، وفارقت أهلي، جاهلين بما حصلّي، وزاد جهلي، بحال أهلي، فصرت أغلي، وحين غاب ظلّي، وكنت أصلّي، زاد أملي، بلقاء من كُنت أغلي.
وبعد مضيّ الأشهر، ومع انقطاع التواصل بيني وبين والديّ وإخوتي، أتى يوم كأنني ولدت فيه من جديد، ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوت أبي أخيراً، ولكن عن طريق الهاتف!
وبعد فراغي من تلك المكالمة الجميلة المليئة بـ تناهيد البكاء الشديد، نقشت مجموعة من الأبيات في ذاكرتي، فأصبحت أرددها صبحة وعشية، إلى أن أتى الفرج.
قلت فيها:
سار القلم للّي يحب التّعاليل
والحبر فوق الطِّرس عبَّر وسالي
سلام والمعنى على قمَّة سهيل
فوق النّجوم السّاطعات العوالي
يمّ ابو سعود دقّيت تالي اللّيل
دقّيت ودقّ القلب نبضه خيالي
تعزويت باللّي يشيل الهم شيل
ويفدي بروحه كل من كان غالي
آل يحيى عادوا الملاقى على الخيل
عدوّهم مهزوم في كل حالي
يمّ الرّجال متعبين المعاميل
أهل الوفاء والطّيب لا جاء مجالي
ولقيت خيل وخيل وخيلٍ مقابيل
فرسانهم تحمي البكار الغوالي
توارثوا طبعهم جيلٍ بعد جيل
قيفانهم لاجات ترقى المعالي
الحِمل شلته على ظهري ثقيل
وانت تعرف يا يبه وش جرالي
وقتٍ رمابي بين ناسٍ مهابيل
واصبر وطال الصّبر يبن الحلالي
الوقت هذا ذلّل الذّيب تذليل
والذّيب خلّى الشّاة وسط المغالي
يالله عسى همومي يشلّها السيل
ويبعد رفيق السوء عنّي بحالي
ويالله عسى الخيبة تِعْدِل الميل
وتصير العيوب حسان في كل حالي
ومرّت أشهر أخرى، وكأنني تحت الثّرى، لا شيئاً في ذلك المكان يُرى، وما هو مصيري يا تُرى، حتى أتى فرجٌ كان كـ الذرى، يصدّ ما كنت أرى، فعدت إلى أهلي وهذا ملخص ما جرى..
كما قلت لكم سابقاً، أمري كان في ظاهره شرٌ عظيم، ولكنه بتدبير الله عز وجل وتقديره كان يحمل في طياته الخير الكثير، فحياتي قبل ذلك الموقف شيء، وبعده شيء أفضل تماماً.
الحمد لله من قبل ومن بعد وفي كل حين وعلى كل حال.
