قبل أيام قليلة، وقفت على الرصيف نفسه الذي وقفت عليه قبل أشهر، لم يتغير شيء تقريباً: ذات الغروب، ذات المدينة، وحتى ذات الانتظار، كنت أراقب هاتفي كما كنت أفعل سابقاً، أُقنع نفسي بأن الاتصال سيأتي، بأن هذه المرة ستكون مختلفة، بأن الوعود التي قيلت لي لن تُكسر كما في السابق، جلست على طرف الرصيف وكتفت ذراعي، مستعيداً المشهد الذي يشبه تماماً ذات المشهد.
لكن لا اتصال جاء، ولا وعد تحقّق، ولا تعلّم الزمن مني شيئاً، أو لعلّ الأصدق أن أقول: ولا أنا تعلّمت.
في تلك الليلة، أدركت أن ما يؤلم بحق هو رؤيتي للخذلان قادماً نحوي ولا أحرّك ساكناً، فليس الخذلان في حد ذاته هو الألم، وأزيدك من الشعر بيت، فإنني أترك الباب موارباً وأنا أعرف جيداً من سيخرج أولاً، كنت كمن يعيد مشهداً محروقاً من فيلمٍ قديم، يقرأ الحوار وهو يعرف نهايته، والأسوأ من ذلك، أنني قلت لنفسي كما قلتها مراراً: ربما هذه المرة مختلفة.
لكنها لم تكن مختلفة، ولا جديدة، ولا مفاجئة.. كانت فقط نسخة أخرى من درس قديم لم أستوعبه بعد.
من السهل أن نظن أن تكرار الأخطاء ناتج عن جهل، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً، فعلم النفس يُخبرني أن هناك ما يسمى بـ “وهم الاستثناء”، أو الميل للاعتقاد بأن قصتي ستكون مختلفة، حتى إن تشابهت كل عناصرها مع قصص انتهت بالفشل، فأنا أكرر الخطأ ولديّ علم، ولكن لا أريد أن أسلّم بأن الواقع لا يرحم التوقعات الحالمة.
وقد أثبتت دراسة نشرت في مجلة (Behavioral Decision Making) أن كثيراً من الناس يؤجلون الاعتراف بخطأ قراراتهم لأنهم لا يحتملون الألم النفسي الناتج عن ذلك، حتى لو كلّفهم هذا سنوات من العيش داخل حلقة مفرغة.
كنت أعتقد أن كل تجربة تمرّ تنضجني، أن كل ألم يجعلني أقوى، أن كل وداع يعلمني معنى البقاء، لكن الحقيقة أنني لم أكن أتعلّم، بل أبدّل اللغة التي أبرر بها لنفسي ما لا يبرر.
أعذر البرود بأنه خجل، والتجاهل بأنه انشغال، والخذلان بأنه قدر، كنت أخلق تفسيرات عاطفية مريحة، وأُقصي التفسير الوحيد الصحيح: أنني لا أُحسن الاختيار، ولا أملك الجرأة على المواجهة.
وهنا تأتي القسوة الكبرى: أن تعرف الحقيقة، ولكنك لا تملك القوة الكافية للاعتراف بها،
فالناس لا تتغير في الغالب، لكنني أنا الذي أعيد رسمهم حسب حاجاتي النفسية، أنا من يحمّل الإشارات فوق ما تحتمل، وأضع نواياي في أفواههم، ثم أحزن لأنهم لم ينطقوا بها، أكذب على نفسي بأدب، وأقول بإنني “أردت أن أمنحهم فرصة”، بينما الحقيقة أنني لا أريد أن أواجه الخسارة.
كل هذا يعيدني إلى ما قاله الطبيب النفسي كارل مينينجر: “المعرفة لا تحدث فرقاً ما لم يسبقها قرار”،
وأنا، بعد مئة درس، أدركت أنني كنت أراكم المعرفة دون أن أتخذ القرار الذي يجعلها ذات معنى، ألاحظ، وأفهم، وأدوّن، وأتألم.. ثم أعود في المرة التالية إلى ذات النقطة، كأنني لم أبدأ من قبل.
هل فات الأوان لأتعلم؟ ربما لا.
لكن الأمر الأهم الآن ليس ما فات.. بل ما سيأتي.
لن أزعم أنني تغيرت، ولا أنني أصبحت أكثر وعياً، ولا أن الدرس الأخير كان كافياً.
لكنني على الأقل لم أعد أُقاوم فكرة أن المشكلة ليست في الآخرين.. بل فيني أنا.
فماذا بعد الدرس رقم مئة؟
لا وعد بالتحول الكبير، ولا قرار جذري في منتصف الليل.
فقط إدراك صادق بأنني لم أتعلم بعد،
وأن هذا الإدراك — بحد ذاته — قد يكون بداية الدرس الأول، لا المئة.
وعلى هذا أحاور نفسي وأقول:
تهربُ من كلّ ذي ودٍّ كأنّ الصفاءَ يُثقلك
وتمنح قلبك الواهم لمن لا يعرفُ الوِدُّ
تُقصي من إذا ما ضاقَ دربُكَ كانَ يَحمِلُك
وتَرنو لِمَن استثقلتْ يدُهُ أن تَمنحَ الوِدُّ
تُطفئُ ضوءَ من نادى “كن بخير”حينَ أوجَعَك
وتُشعلُ في طريقِ الغافلينَ شُعلةَ الوِدُّ
وتَنقضُ عهد من في غيبِ أيّامِك توقّعَك
وتُرضي مَن إذا حضرتَ قال: “لم أَعرِفِ الوِدُّ”
كأنّكَ لا ترى إلا سُهادَ البُعدِ منزلك
وتَنسى أن في لُقيا الوفاءِ مواسمَ الوِدُّ
ثم أرد الصوت لنفسي قائلاً:
اهجُر حين تدركُ الحقيقةَ في لَهَجْتِكَ
فما كلُّ الذي يُبدي لكَ الحُبَّ، لهُ وِدُّ
حسبتُ الصمتَ صبراً، ثم أيقنتُ بضعفِكَ
فما من مُدّعٍ صبراً على الهجرِ لهُ وِدُّ
تخطّيتُ الدروبَ التي نثرتَ بها وَهمَكَ
ومِن أصدقِ الدروبِ التي تُهدي إلى وِدُّ
فلا تَعَلَّقَ بِمَن إن غبتَ ما نادى بإسمِكَ
ولا تَرجُو يداً تُخفِي خناجرها على وِدُّ
تناسى، وامحُ آثارَ الهوى من خطوِ قلبِكَ
ولا تأسَفْ على من ليس في قلبِهِ وِدُّ
وعشْ حُرّاً، فإنّ الحرَّ يُنقى من وجعكَ
ولا يَرضى يعيشَ بِظلّ من لم يَمنحِ الوِدُّ
ثم أرد..
أرى الأخطاءَ تنمو في خيالكَ، لا برَتكَ
وتبصرني، كأني ما سعيتُ إليكَ بـ وِدُّ
عرفتُ مساوئَ فيك ولكن ما كرهتكَ
أحبّك رغم ما في القلبِ من حزنٍ على وِدُّ
أعلّل نبضَ قلبي كلما حاولتُ نسْيَكَ
يعود إليّ مُنهَكاً ويهمسُ: ما نَسَى الوِدُّ
وكم حاولتُ أن أمضي وأُطفئ شوقَ رؤيَتكَ
فيمضي الدربُ بي حتى أعودَ وكلِّيَ وِدُّ
فلا تعجَبْ إذا ما كنتُ أرجو منكَ رِقَّتكَ
وأبقى رغم ذلك، أعانقُ الجمرَ على وِدُّ
ثم أعود بعزتي قائلاً..
رويدَك، لا تُسلّم للهوى زمناً بحُجَّتِكَ
فما كلُّ التمنّي صادقُ الوعدِ أو وِدُّ
ألم ترَ كيف خانَ هولاكو سَلامَ نيّتِك؟
بدا ودّاً، وفي أعماقهِ الغدرُ لا ودّ
وكم سارَ الحسينُ لنصـرِ حقٍّ في دعوتِك
فردّ السيفُ خذلاناً ونادى أَأينَ الودّ؟
وكم ضاعتْ غرناطةُ في عِـزِّ أمتِـك
فما أغنتْ عهودُ السلمِ إن خانهُنَّ ودّ
فدعْ عنكَ التعلّقَ إنّ في الإعراضِ حكمتَكَ
ولا تَسقِ الهجيرَ فإنّه لا يُوردُ الوِدُّ
تعلّم أن تُميّز بين صدقٍ في محبتِكَ
وبينَ التائهينَ، إذا نَهوا، نسَفوا الوِدُّ
ولكن ماذا بعد؟؟
أعرف أنك تعرف أنني أعرف بمعرفتك عن تلك النهاية المتوقعة.
